المقريزي

1068

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فتزايد غضب السّلطان ، وهمّ أن يركب بنفسه / ويبطش بالعامّة ، ثم تأخّر لمّا راجعه الأمير أيدغمش ، ونزل من القلعة في أربعة من الأمراء إلى مصر ، وركب الأمير بيبرس الحاجب والأمير ألماس الحاجب إلى موضع الحفر ، وركب الأمير طينال إلى القاهرة ، وكلّ منهم في عدّة وافرة ، وقد أمر السّلطان بقتل من قدروا عليه من العامّة بحيث لا يعفو عن أحد . فقامت القاهرة ومصر على ساق ، وفرّت النهّابة ، فلم يظفر الأمراء منهم إلّا بمن عجز عن الحركة بما غلبه من السّكر بالخمر الذي نهبه من الكنائس ، ولحق الأمير أيدغمش بمصر ، وقد ركب الوالي إلى المعلّقة قبل وصوله ليخرج من زقاق المعلّقة من حضر للنهب ، فأخذه الرّجم حتى فرّ منهم ، ولم يبق إلّا أن يحرق باب الكنيسة . فجرّد أيدغمش ومن معه السّيوف يريدون الفتك بالعامّة ، فوجدوا عالما لا يقع عليه حصر ، وخاف سوء العاقبة فأمسك عن القتل ، وأمر أصحابه بإرجاف العامّة من غير إهراق دم ، ونادى مناديه : « من وقف حلّ دمه » . ففرّ سائر من اجتمع من العامّة وتفرّقوا ، وصار أيدغمش واقفا إلى أن أذّن العصر خوفا من عود العامّة ، ثم مضى وألزم والي مصر أن يبيت بأعوانه هناك ، وترك معه خمسين من الأوشاقيّة . وأمّا الأمير ألماس فإنّه وصل إلى كنائس الحمراء وكنائس الزّهري ليتداركها ، فإذا بها قد بقيت كيمانا ليس بها جدار قائم ، فعاد وعاد الأمراء ، فردّوا الخبر على السّلطان وهو لا يزداد إلّا حنقا ، فما زالوا به حتى سكن غضبه . وكان الأمر في هدم هذه الكنائس عجبا من العجب . وهو أنّ الناس لمّا كانوا في صلاة الجمعة من هذا اليوم بجامع قلعة الجبل ، فعندما فرغوا من الصّلاة ، قام رجل مولّه وهو يصيح من وسط الجامع : « اهدموا الكنيسة التي في القلعة اهدموها » ، وأكثر من الصّياح المزعج حتى خرج عن الحدّ ، ثم اضطرب . فتعجّب السّلطان والأمراء من قوله ، ورسم لنقيب الجيوش والحاجب بالفحص عن ذلك ، فمضيا من الجامع إلى خرائب التّتر من القلعة ، فإذا فيها كنيسة قد بنيت فهدموها ولم يفرغوا من هدمها حتى وصل الخبر بواقعة كنائس الحمراء والقاهرة ، فكثر تعجّب السّلطان من شأن ذلك الفقير ، وطلب فلم يوقف له على خبر . واتّفق أيضا بالجامع الأزهر أنّ الناس لمّا اجتمعوا في هذا اليوم لصلاة الجمعة ، أخذ شخصا من الفقراء مثل الرّعدة ، ثم قام بعد ما أذّن قبل أن يخرج الخطيب ، وقال : « اهدموا كنائس الطغيان والكفرة ، نعم اللّه أكبر ، فتح اللّه ونصر » ، وصار يزعج نفسه ، ويصرخ من الأساس إلى